top of page

لِبنة رطبة وقطعة خبز جافة..

  • Haneen Adel
  • ٤ أبريل ٢٠٢٢
  • 5 دقائق قراءة

تاريخ التحديث: ٨ نوفمبر ٢٠٢٢










بينما كنت اقود مركبتي في طريق العودة لمنزلنا بعد غياب عنه دام طويلاً. توعر بي الطريق المؤدي إليه بين التفافات، انحرفت بها مركبتي عدة مرات عن مسارها، وكان يتطلب اجتيازه قوة تحكم بمقود المركبة والحؤول دون انحرافها او انقلابها المفاجئ. كان التحكم بالمقود صعب جدا، ويتطلب قوة كبيره معاكسه لحركته المندفعة الخطيرة. فبعد المرور بثالث مخرج للالتفاف يسارً ، والذي كان ضيق جدا. بصعوبة بالغه تستطيع اخراج المركبة منه وتعديلها لمسارك . اصطفت على جوانب الطريق حواجز من الحجارة المتوسطة والصغيرة في حجمها والمصفوفة فوق بعضها البعض ؛لتكوّن رصيفا يحدد الانحرافات والالتفاتات التي عليك ان تسلكها في المسار.

كان الطريق شبه معتما، ومهجورا، تنيره إضاءة خفيفة جدا، قد تصعب فيه الرؤية لشخص يعاني من مشكلات النظر. استمر الطريق في تعرقله، وصعوبته فتحول الى مسار غير ممهد ؛ ملأت ارضه الحجارة الصغيرة التي كانت تسبب الاهتزاز في مركبتي. ناهيك عن الألم المصاحب من عدم راحتي بالجلوس والاهتزاز المستمر الذي كان يضرب بتوازن جسمي وتماسكه من الحجارة بالأرض اثناء القيادة ؛بالرغم من حرصي على ربط حزام الأمان .

استمر الطريق….وبعد اجتياز الحجارة التي كانت تفرش ارضها سجادا، ظهرت أمامي مطبات عريضة تعددت الى ثلاث . كانت بين حجارة جيدة الاصطفاف وبين المحطمة التي لم يكن قيادتي فيها الا كقيادة عربة خشبية تجرها البغال ...

تلك الصعوبة التي واجهتها، وخطورة الانقلاب، والانحرافات العديدة جعلتني أفكر بأمي، وكيف استطاعت ان تعبر هذا الطريق في غيابي مرات عدة، وتعجبت من شجاعتها، وخشيت عليها خطورة هذا الطريق الوعر. فكنت أفكر إما باقتناء مركبه تتحمل هذه الوعورة وتصمد بها ، او أن أمهد الطريق لها ليسهل عليها عبوره.


جعلتني رحلتي هذه ابحث عن المعنى الحقيقي للشجاعة ،وأردت ان اتعلم المزيد عن سراديب أسرارها . فأخذت اسأل وابحث عن منبع استقي منه خير علومها.حتى وصلت الى منزلي يوما؛ وإذا بإحدى من عرفت عنه طلب العلم وحرصه المستمر على حضور مجالسه، وسماع كل منتديات ،وندوات ، وبحوث العلم ، والعلماء، وجدته واقفا على باب بيتنا وقد علم ببحثي ؛حاملا معه دعوة. كان يخبرني فيها أن هناك مركز إسلامي يفتتح ابوابه حاليا في احدى الدول البعيدة. أخبرني أن قائدها كان أبا للجميع.

حدثني عن حضور القيادات الباسلة والمحاربة من شتى الأكوان والدول , ستكون متواجدة لتحدث عن مواقف في البسالة، والشجاعة، والصمود. قال لي ..ان لي فيها دعوة ;لأتلقى العلم على يد خير علماءها.

أحببت كل ما قيل لي ووصف لي عن واردينه ومواقفهم. فجهزت نفسي استعداداً للرحيل.


قال لي:

-عليك ان تعلمي أن الدرب المؤدي اليها,ليس ككل درب ،فبه من الاختلاف ما يميزه عن غيره.

صحبني وكنا نسير حتى وصلنا الى بناء، واخذني الى درجات في الجانب الداخلي من هذا البناء.

عند المدخل; لاحظت الملصقات واللافتات والمنشورات التي كانت تعرض معلومات عن هذا المركز، وتستمر في عرض صور القواد الشجعان في حلي تميزهم وتميز دولهم ، ومناصبهم، وأدوارهم ..من الملقين ،والمعلمين ، والمحاضرين.


بعد ان صعدنا الدرجات ووصلنا الى قمتها. اخذ يصف لي الطريق وقال لي:


-يا بنيتي! الآن قد بدأ طريقك لرحلتك في طلب علم الشجاعة، ولاكن عليك أن تعلمي أن مكانه بين دولتين وكأنهن عالمين؛ احداهما على قمة جبل وهو مكاننا الآن، والأخرى في الطرف المحايد في سفح الوادي؛ حيث يقع مقصدك في الطرف الأخر.

يشق مفرق العالمين نفق بين قمة عالية ،ووادي منخفض. تمددي فيه ،وضمي ذراعيك ،وسترحلين اليه انزلاقا في النفق .لاكن عليكِ أن تأخذي نفسا عميق فقد يملأه الماء اثناء عبوره.

وقفت على اول النفق لأنزلق نزولا. فوجدت ثلاث أطفال يلعبون على مدخل النفق منفردين. كان وجودهم هناك خطيرا جداً ، قد يؤدي بحياتهم. فعند الوقوف على حافة النفق ، تستطيع ان ترا ارتفاعه الممتد آلاف المترات فوق سطح الماء. سقط قلبي خوفا على الصبية والطفلة. فأخّذت انادي لعل هناك من وُجِد معهم ليراقبهم. اعطيتهم تفاح، وقطع من البسكويت بالشوكولا الداكنة، من مؤونتي خلال الرحلة، وطلبت منهم أن يبتعدوا؛ فوجودهم ممنوع وخطير جدا.

حمدا لله! ...سمع حديثي معهم امرأة ،خرجت من وراء حجاب: كانت تلهو عنهم وهم يلعبون بالخطر. اخبرتها ان تبعدهم وان هذا ليس المكان الملائم لهم. فجمعتهم وقد اعتراها الخوف ، وأخّذتهم مبتعدة على جانب الحافة بعيدا عن منحدر النفق. بعدها، سرت أنا في طريقي داخل النفق لأذهب برعاية الاله في رحلتي.


اثناء نزولي اخّذت المياه تتدفق في منتصف النفق، وكنت سرعان ما أغمض عيني واستنشق ما أستطيع الحصول عليه من الهواء. كنت

أشعر باختلال الضغط وقلة الأوكسجين، والذي أصبحت تضيق معه أنفاسي، وتصعب الرحلة حتى ظننت أنني ٍأختنق . فرغم النور الموجود ، والذي أظهر الطريق لأرى الماء.. ماءاً، والخضرةَ... خضرة، وحتى النفق بدت رؤيته من الداخل واضحة كلما استطعت فتح عيني.

هكذا ومع تدفق الماء.. شعرت بضيق التنفس وغيابي عن الوعي. فأخذت انفاسي تتباطىء تدريجيا ، وأغمض عيني لأبدا في الدخول الى حالة الغياب عن الوعي، ولكن وبفضل الاله ، أذن ان يكون حينها نهاية الطريق. وإذا بي أرسو على ارض وجهتي. ويعود النبض، والحياة، والنشاط إلى جسدي المتعب من إعياء الطريق.


ارتحت قليلا، ثم توجهت الى وجهتي في المركز حيث كانت دعوتي.


وجدت فيها رجلاً طاعناً في السن ؛يجمع بين حكمة شيوخ قضاه، وخبرة حياة، وصلابة شباب. كان مجلسه مجلس التقدير، ومقعدة مقعد الاحترام والتبجيل. إذا حضر تبعه الجالسون، وسكنت مجالسهم. فينصتون ، ويتمعنون محدقين به تأملا وتبجيلا؛ وكأن غيوما قد مرت فوق رؤوسهم ...فأمطرت.


عندما دخلت اليه شاهدت بحضرته مستضيفا كان يحاوره، ويسأله العديد من اللأسأله ، وكان المكان محاطا بالكاميرات والمعدين، والمصورين، وجمهوراً لم يكن كبيرا. كان الرجل مركز الاهتمام في تلك الغرفة؛ حضورا وإضاءةً موجهه إليه . لذلك لاحظت عليه التوتر والقلق. كان يرتدي ثوبا ابيض كلون الحليب النقي ، ويلف رأسه بعمة يميل لونها للون الجبال الراسخة وحول صدره قطعه مشابهه في لونها العمه الذي يضعها.

كان يحمل في يده اليمنى قطعة من الخبز الجاف ، وكانت تظهر للعلن؛ حيث أنه بين حين وحين خلال اللقاء، وبين كل حوار وحوار كان يرفعها ويقضم منها قطعة؛ مصدرا أصواتًامن القرقشة المسموعة وسط ذلك الهدوء العام الذي ملأ المكان ..غير مبالي بكل الأجواء المحيطة به. مما اثار تعجبي وغضب منه بعض الشيء مستضيفة.


وأنا اراقب. كنت أفكر أن السبب وراء سلوكه قد يكون التوتروالقلق من اللقاء الذي بدا ظاهرا لي، وكنت اعلم ان كثيرا من الناس يتحكمون أو يصبون توترهم وقلقهم بتناول الطعام أو الإمساك بشي يتحكم في لا وعيهم محدثا الشعور بالأمان والراحة.

حقيقةً ، السلوك المستمر امام الكاميرات اغضب المستضيف فطلب منه، ان يتوقف وسأله عن سبب تمسكه بهذه القطعة خلال اللقاء.


سكت الجميع في صمت.. وقف الرجل المسن، وطلب منهم مرافقته الى منزله مكملا حديثه عن اهتماماتهم به ، وبتفاصيله، وبقصته.


اخذنا الشيخ المسن ، وسرنا معه الى داخل بيت قديم مصنوع من قراميد الِلبنة القديمة.


أخذ يحيهم مرحبا ويدعوهم للدخول:

_ حياكم بمنزلي، سلاما،وتحية من رحمن مباركة طيبه.


كان المنزل مصنوعا من الِلبن يميل لونه الى اللون الترابي الفاتح بساحات واسعه ، تمره تيارات الهواء من جميع الغرف. تحيطه النوافذ، وسقفه مرتفع مما يعطي المنزل اتساعا يسمح لحركة الهواء المرور خلاله وتبريده. كان أثاثه مصنوعا من صوف ،وفراء الماشية… بسيط جدا ومتواضع.

وبدا يحدثهم عن قطعة الخبز الجاف.

أخبر انه عندما رحل من بلاده ليأتي الى المدينة المنورة لزيارة المسجد النبوي ، ورؤية جميع المقدسات ، وأخذ العلوم. خرجت خلفه امرأة كبيره في السن تثقل قدماها فيصعب عليها المشي. واعطته قطعة الخبز هذه، كانت من بذور الحب الخالص؛ طلبت منه ان يدعو لها وأن يدفنها ويزرعها في تربة الأرض التي دفن فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام.

يقول:


- تبسمت وأخذتها منها ورحلت.


- رحلتي كانت شاقة؛ مشيا من بلادي للمدينة المنورة، لم أملك حينها إلا ما أرتديه من ثياب ، وقطعة الخبز. فكنت كلما شق دربي آكل منها قليل جدا لأتمكن من مواصلة السير .. حتى وصلت. وهذا هو بيتي ؛ اعتادت ان ترده هرّه بحثا عن الماء والطعام. والان ٍ ها أنا اعطيها ما تبقا من قطعة الخبز ؛فهي من هرر المدينة أيضا!.


ملتفتا نحونا وهو مبتسم ضاحكاً.


ثم دخل نحونا الى البيت، وأخذ يرش الماء في انحاء المنزل إبتداءاً من صدره وحتى نهايته، وكانت الجموع تقف خلفه منبهرة ومتعجبة.


حينها خطف أنفاسي ومسامعي ، غقيق المياه المنسابة بين يديه على الساحات، ونسمات العبير الباردة تهب قادمة ؛ وكأنها ضحكة طفل وليد تبسّم له ثغري طوعاً، وألوان الصوف الزاهية تتسلق جدران المنزل وعلى جنباته وكأنها قدودُ قرنفليةُ عطرية العرْف .









Comments


bottom of page